مركز الثقافة والمعارف القرآنية

459

علوم القرآن عند المفسرين

وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إلا استغراب بعثة البشر رسولا وهو مدلول القول التزاما والدال لا يناسب المانعية ، والمدلول ليس مانعا حقيقيا ، بل عادى لجواز وجود الايمان معه فهو حصر في المانع العدى فلا تناقض ، وسيأتي لهذا إن شاء اللّه تعالى زيادة تحقيق . وكذا لا مثاله مما يضيق عنه هذا المبحث . وأما الاختلاف المذكور فليس هو المنفى في قوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » لأن المراد به أحد أمرين ، الأول - الاختلاف المناقض للبلاغة ، والثاني - الاختلاف فيما أخبر عنه من قصص الماضين وسير الأولين - مع أمية من جاء به وعدم دراسته للعلوم ومطالعته للكتب - ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الاختلافات ، على أن أمثال بعض ما ذكر من الاختلاف ليس بقرآن لأنه لم يتواتر ، وأمثال البعض الآخر اختلاف مقال لاختلاف الأحوال ، والمرجع إلى جوهر واحد وهو التراب في خلق آدم مثلا ومنه تدرجت تلك الأحوال وأي ضرر في ذلك ، وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار ، كبيان اتساع العبارة وإظهار البلاغة وزيادة التأكيد والمبالغة ، إلى غير ذلك مما قد أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه وستراه بحوله تعالى ، وأما ما يتوهم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات فليس يخلو عن درء احتمال ، ورفع خيال ، فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ « 2 » لتوهم - ولو على بعد - أن المراد وتمام : سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ « 3 » بل في ذلك غير هذا أسرار ستأتيك ، بعون باريك ، وأما قول عثمان : إن في القرآن لحنا الخ ، فهو مشكل جدا ، إذ كيف يظن بالصحابة أولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم ، ثم كيف يظن بهم ثانيا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ، ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع ، ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره ، وكيف يتركه لتقيمه العرب ، وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار ، فكيف يقيمه غيرهم ؟ ؟ ؟ فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة . فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع . وقد أجابوا عنه

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 196 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 196 .